الفنجري : الزكاة هي الحل لمشاكل الفقر في العالم الاسلامي

القاهرة – رحاب عبد الرحيم – إنسان أون لاين .نت - 2007-04-27

الدكتور محمد شوقي الفنجري

هو ليس مجرد أستاذ كبير وعالم جليل في عالم الاقتصاد الاسلامي ، ولا حتى مجرد مبتكر حلول لمشاكل الامة الاسلامية الاقتصادية ، بل هو من خصص جزء كبير من ثروته كوقف الخيري للطلاب والدارسين الفقراء وصاحب أكبر وأقدم جمعية خيرية مصرية ، هو الدكتور محمد شوقي الفنجري صاحب نظرية علاج مشكلة الفقر في المجتمعات الاسلامية عن طريق الزكاة


سألته في البداية: البعض يرى في قصر علاج مشكلة الفقر على أموال الزكاة تشجيعا للكسالى على عدم العمل، فما ردكم؟


الإسلام لم يشجع أبدا على الكسل وعدم العمل، بل حثنا على الإنتاج.. ولكن ماذا يفعل من لا يقدر على العمل لأسباب خارجة عن إرادته كعجز أو شيخوخة؟ هذه هي الفئة التي تستحق الزكاة، والتي يجب على كل مسلم ثري أن يعطيها من ماله ما يضمن لها حد الكفاية، أي المستوى اللائق للمعيشة، وليس مجرد حد الكفاف.


ويصبح كل مسلم ثري آثما إذا لم يوفر لها هذا الحد من المعيشة، فحرمة الملكية الخاصة للأفراد تسقط في حالة وجود ولو جائع واحد بين المسلمين، لقول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي أخرجه أبو داوود في سننه: "إذا بات مؤمن جائعا فلا حق لأحد في مال".


- معنى ذلك أن الدين الإسلامي لا يشجع الثروة أو الغنى ؟


هذا ما يحاول البعض ترديده للنيل من الإسلام، وهو على عكس ذلك تماما لم يضع حدا أعلى للملكية أو الغنى، ولكن بشرط أن يكون كل أفراد المجتمع الإسلامي قد وصلوا إلى "حد الكفاية" أي المستوى اللائق للمعيشة، فمتى توافر لكل فرد هذا الحد فإن ما يزيد على ذلك يختلف من فرد لآخر تبعا لعمله وسعيه في الأرض، لقوله تعالى (للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن).


وبالتالي فمن المقبول في الإسلام أن يكون هناك مليونير، ولكن مليونيرا ملتزم بالشرع، على نحو ما بينت.


للمال ثلاثة حقوق


-أفهم من كلامك أن كل ثرى حتى لو أدى الزكاة، فهو آثم إذا وجد بين المسلمين من لم يصل لحد الكفاية؟


نعم، فالإسلام إذا كان قد حمى الملكية الخاصة للإنسان وأوجب قطع يد السارق، ففي المقابل أوجب عليه ثلاثة التزامات هي، الزكاة، والضرائب، والإنفاق في سبيل الله، وهذه الالتزامات كل منها مستقل عن الآخر لقوله تعالى: "ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين و ابن السبيل والسائلين وفى الرقاب و أقام الصلاة و آتى الزكاة" وهذا الفصل في الآية الكريمة بين الإنفاق والزكاة والصلاة، دليل على الاختلاف بين الإنفاق والزكاة.


كما روي عن الرسول عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي أخرجه الترمذي أنه قال: "إن في المال حقا سوى الزكاة".


-إذن، هذه دعوة لإسقاط عقوبة السرقة، طالما لا يفي الأثرياء بهذه الالتزامات؟


يبتسم د. الفنجري قائلا: ليس أي سارق، فالذين يسرقون من أجل زيادة أرصدتهم في البنوك فهؤلاء بالطبع لا يشملهم العفو، ولكن المقصود من يسرق ليأكل؛ لأنه لا يملك المال الذي يشتري به طعامه.


وقد عبر عن هذا المعنى الصحابي أبو ذر الغفاري بمقولته الشهيرة "عجبت لمن لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه".


وأكد هذا المعنى الإمام ابن حزم في كتابه المحلى بقوله: "إذا مات رجل جوعا في بلد اعتبر أهله قتلة وأخذت منهم دية القتيل"، ويضيف ابن حزم: "للجائع عند الضرورة أن يُقاتل في سبيل حقه في الطعام الزائد عند غيره، فإن قتل الجائع المانع فليس عليه قصاص، وإن قتل المانع الجائع وجب القصاص منه".


داء اسمه " الفهلوة "


ولكن، ما هو تقييمك لمدى حرص أثرياء المسلمين على الوفاء بهذه الالتزامات ؟


الأمر لا يحتاج لتقييم شخصي، فالكل يعرف مدى ما وصل إليه الفقر من معدلات مرتفعة، ولو حرص أثرياء المسلمين على الوفاء بهذه الالتزامات التي تمثل حلولا لمشكلة الفقر ما بقي بين المسلمين فقراء، ولكن للأسف فإن داء "الفهلوة" الذي صار سمة أساسية لسلوكياتنا امتد إلى هذا الأمر فحرمنا من هذه الحلول وظلت المشكلة قائمة.


فإذا كنا نتحدث عن ثلاثة التزامات ينبغي على الثرى المسلم الوفاء بها وهي الضرائب والزكاة والإنفاق في سبيل الله، فالواقع أن البعض يتعلل بعدم أداء الزكاة، بحجة أنه يدفع الضرائب، وبطبيعة الحال لا تنتظر من هؤلاء أن ينفقوا في سبيل الله.


ولهؤلاء أحب أن أقول : إذا كنتم تظنون أنكم تخادعون الله فأنتم في الواقع تخدعون أنفسكم، فالزكاة لا تغنى عن الضرائب، كما لا تغنى الضرائب عن الزكاة، وذلك لثلاثة أسباب:


لكل منهما سنده الشرعي، فالزكاة سندها النص، في حين أن الضرائب سندها المصلحة.


لكل منهما مجاله وأهدافه، فالزكاة تستهدف تحرير الإنسان من عبودية الحاجة، في حين أن الضرائب تستهدف مواجهة التزامات الدولة كالصرف على جهازها الإداري أو تنميتها الاقتصادية.


لكل منهما خصوصياته وأحكامه، فالزكاة تجب في الأموال النامية سواء وجدت الحاجة إليها أو لم توجد وبمقدار وسعر موحد لا تتجاوزه، بخلاف الضرائب التي لا يجوز للدولة الإسلامية فرضها إلا إذا قامت الحاجة إليها، ويختلف مقدارها وسعرها باختلاف ظروف كل دولة.


تراجع دور الوقف


-أشعر من حديثك أنك تحمل الفرد كل المسئولية، وكأن الدولة ليس لها أي دور في علاج المشكلة؟


أنا أتكلم في حدود الواقع، ولكن هناك فرقا بين ما يحدث وما ينبغي أن يكون، فمن الضروري أن تكون هناك وزارة أو مؤسسة مستقلة للزكاة، بحيث تتولى مسئوليتها تحصيلا وتوزيعا، وتكون ميزانيتها مستقلة عن ميزانية الدولة العادية، وبالتالي سيرفع ذلك عن الدولة عبء القضاء على الفقر، وضمان حد الكفاية لكل مواطن، لكي تتفرغ الدولة لمهمة التنمية الاقتصادية.


-ولكن، ألا يتناقض ذلك مع موقفكم الرافض لإدارة الأوقاف من خلال وزارة الأوقاف ؟


لاتناقض بين الموقفين ، فالزكاة الأصل فيها أن تكون مسئولية الدولة من خلال ما كان يعرف ببيت المال أو وزارة الزكاة كما أطالب، ولكن الوقف أمر فردي لم يكن أبدا تابعا للدولة.


-أعلم أنك أوقفت جانبا كبيرا من أموالك للأعمال الخيرية ، فإلى أي مدى ترى الدور الذي يمكن أن تلعبه الأموال الموقوفة في حل مشكلة الفقر؟


للأسف تراجع دور الوقف في العمل الخيري، بعد أن آلت مسئوليته لوزارة الأوقاف التي استولت عليه ومنعت الناس خيره، ولولا أنى رجل قانون في الأساس لذهبت الكثير من الوقفيات التي أوقفتها لعمل الخير للوزارة، فلك أن تتخيل -مثلا- أن وزارة الأوقاف كانت تريد الاستيلاء على الوقف الخيري الذي أوقفته لطلاب جامعة القاهرة من المحتاجين لتتولى هي أمره، وكأنها أعلم من جامعة القاهرة بأمر الطلاب، وقد خضت معركة حتى تئول نظارة الوقف إلى رئيس جامعة القاهرة لا وزارة الأوقاف.


وقد واجهتنا هذه المشكلة -أيضا- في الجمعية الخيرية؛ فقد جاهد القائمون على أمرها قبلي في استرداد الأوقاف التي أخذتها الوزارة، ولولا أن هؤلاء كانوا من كبار رجال القانون لما بقي لأوقاف الجمعية وجود حتى الآن، ولما تمكنا من تنفيذ مشروعاتنا الخيرية التي منها إعطاء قروض للقادرين على العمل لمساعدتهم في إيجاد عمل يعيشون من دخله.


.


http://www.insanonline.net/news_details.php?id=1628 :المصدر