ماذا تفعل إذا قرر الناس أن يحرموك من نعمة الحياة، فيغلقوا عليك الطرق ويمنعونك من الحصول على طعامك وشرابك بل ويدمرون المزارع ويقتلون الحيوانات؟ هل تستسلم أم تعطي نفسك القدرة على أن تهزم القهر؟ هذا السؤال لم يفكر فيه صبري دويكات من سكان قرية روجيت قرب نابلس، فلم يكن أمامه إلا أن يهزم الظروف ليعيش، ورغم أن عمره قد تجاوز 50 عاما فإنه قرر أن يفكر في طريقة لإطعام أبنائه السبعة وزوجته وقدم بفكرته البسيطة نموذجا سارت عليه الأسر لفلسطينية.
يقول صبري دويكات: الحقيقة أن الظروف الصعبة (الأمنية والاقتصادية)
دفعتني للاعتماد على الزراعة المنزلية كي أقتات منها أنا وأسرتي؛ فأنا أملك قطعة
أرض مساحتها 2500 متر مربع، وفكرت في أن أزرعها مع أسرتي بمختلف الخضراوات، إضافة
لتربية الطيور والحيوانات.
ويضيف دويكات قائلا: "أزرع بعض الخضراوات، ولدي 3 بقرات و50 رأس غنم،
وأربي الدجاج والحمام والأرانب، مشيرا إلى أن أسرته لا تشتري اللحوم والبيض،
وغالبية الخضراوات؛ حيث تلبي حاجتها ذاتيا من المزرعة.
ولا تتأثر أسرة دويكات بنظام حظر التجوال الذي يفرضه الاحتلال
الإسرائيلي على قريته المحصورة بين نابلس ومخيم بلاطة، ويقول: "جميع المستلزمات
موجودة عندنا، حتى إن بعض سكان نابلس يقصدوننا لتلبية احتياجاتهم، ونلبي حاجتهم في
إطار التكافل بين أبناء القرية".
والتقطت بعض المنظمات الأهلية فكرة هذه المزارع، وطورتها في اتجاه
إقامة مشاريع مزارع نموذجية منظمة لا تكتفي بمجرد تلبية احتياجات الأسرة بل توفير
ربح أيضا. وتركز المشاريع بشكل أكبر على مزارع تربية الطيور والحيوانات.
ويمول "ائتلاف الخير" عددا من هذه المشروعات، منها مزارع "أبقار
الخير" التي تشرف عليها جمعية المعلومات الطبية البيطرية الفلسطينية بغزة، ومشروع
"خراف التسمين" التابعة لجمعية غزة للزراعة والبيئة.
ويقول الدكتور سعود الشوا مدير جمعية المعلومات الطبية البيطرية
لإنسان أون لاين.نت إن فكرة مشروع أبقار الخير تقوم على شراكة بين الأسرة والجمعية
لمدة 6 سنوات تزود الجمعية الأسرة خلالها بخمس بقرات من نوع فيرزيان الحلوبة عالية
الإنتاج المنتجة لـ6 آلاف لتر حليب في الموسم وماكينة حليب بالكهرباء، كما تقدم
أيضا للبقر العلف والأدوية والرعاية البيطرية طوال العام.
ويتم إنتاج الحليب وبيعه لمصنع ألبان وطني لدعم الإنتاج المحلي، أما العجول
فتربى وتسمن لتوفير اللحم للمستهلكين، وتربى الإناث لإقامة مشاريع جديدة لأسر
جديدة.
ويضيف الشوا يعمل هذا المشروع بنظام "المرابحة" لمدة سنوات يتم إعفاء
الأسرة في السنة الأولى من سداد ثمن المشروع، ويتم استرداد قيمة المشروع البالغة
13.5 ألف دولار بعد السنوات الخمس كي يتم إعطاؤه لأسرة فقيرة أخرى، وتذهب أرباح
المشروع التي تصل إلى 30-40% لتمويل مزارع جديدة، ويقتطع 10% من أرباح الأسرة كرصيد
لها في مشروع معمل ألبان تقوم الجمعية بإنشائه.
أما مشروع تسمين الخراف فيقول عنه المهندس نصر العيلة، رئيس جمعية
غزة للزراعة والبيئة العامة: يتم من خلال هذا المشروع إقامة مزارع خراف مكونة من 50
رأسا، ترعاها أسرة فقيرة في مزرعة صغيرة، وتوفر الجمعية التمويل الكامل والمشتمل
على طعام الخراف ورعايتها البيطرية.
ويصبح المشروع ملكا للأسرة بعد ست سنوات بعد سداد ثمنه من قيمة
الإنتاج، وتذهب الأرباح لتمويل مشاريع أخرى لأسر جديدة. ويبلغ سعر الخروف الصغير
70-100 دولار في فلسطين إلا أنه بعد أن يتم تسمينه خلال 6-8 شهور يصبح ثمنه 200
دولار.
وأخيرا يقول صبري دويكات: هذا المشروع العظيم حقق عدة أهداف مجتمعة؛
فهو قضى على البطالة المنتشرة بين أبناء فلسطين بسبب الظروف الحالية، بل وأعاننا
على أن نكون أصحاب مشروعات مربحة، وأخيرا أقام صناعة وطنية لمنتجات الألبان، وفوق
كل هذا قطع الطريق على اليأس.