 |
| ابو رائف صوافطة يروي تفاصيل انتهاكات الاحتلال ضد مواطني الاغوار |
خطت شمس الظهر الحارقة على وجهه طبقة سمراء .. يتنقل بين اشجاره التي باتت على وشك الموت نتيجة قلة الماء.. بينما يتنقل بين أغنامه يردد أسمائها الواحدة تلو الأخرى دون أن تغيب واحدة عن ذهنه، فيما يتذكر كيف زرع مع والده أشجار بيارته وأشجار الزيتون وهو اليوم ينتظر وداعها.
هكذا بدا أبو رائف صوافطة، ذلك الفلاح الفلسطيني الذي ترعرع بين أحضان التربة والزراعة في الأغوار الشمالية بالضفة الغربية، واصبح الخوف يسيطر عليه اليوم بعدما عمد الاحتلال على سرقة المياه وحرمان المزارعين منها.
بوجهه الخمسيني يروي أبو رائف لـ" نافذة الخير" قصته التي تشبه قصص آلاف المزارعين الفلسطينيين في منطقة الأغوار الشمالية، حيث يواجهون سياسة التهجير الإسرائيلية من خلال تجفيف المياه والسيطرة على منابعها.
ويتساءل أبو رائف "أين سنذهب بعائلاتنا، لقد حرمونا من أرضنا ومياهنا، حتى المياه الملوثة منعنا منها، منعوا عنا المياه بحجج متعددة، جفت الينابيع ولم نعد نستطع زراعة الأراضي ورعي المواشي، مما اضطرنا للرحيل عن مكان سكننا والتوجه لاماكن أخرى بحثا عن المياه".
ويردف ابو رائف، كنت املك بيارة تبلغ مساحتها عشرة دونمات مزروعة بالحمضيات، و19 دونما مزروعة بأشجار الزيتون، جميعها جفت وأصبحت جرداء بسبب سيطرة الاحتلال على منابع المياه وسحبها، واليوم لدي فقط 11 دونما مزروعة بأشجار النخيل والزيتون، ناهيك عن الخسارة التي تكبدتها في البيارة السابقة، فحوالي 54 ألف شيكل (الدولار=3.7 شيكل) وضعتها بالأرض وقمت ببناء بيوت بلاستيكية فيها وما زلت اسدد بمستحقاتها.
سرقة المياه
 |
| آبار ارتوزاية أنشأها الاحتلال لسرقة مياه الاغوار |
ويقول ابو رائف، ان الاحتلال الاسرائيلي يعمل على سحب مياه منطقة الاغوار للمستوطنات القريبة، ويحرم الفلسطينيين من خيرات ارضهم، ويمنعنا من الحصول على قطرة مياه، مما يضطرنا الى شراءها من شركة المياه الاسرائيلية، ويضطرنا الى الرحيل عن ارضنا بحثا عن مصدر اخر للمياه.
ويقطن ابو رائف منطقة الفارسية التي شهدت مؤخرا حملة تهجير واسعة بسبب سرقة المياه ومطاردة الاحتلال لسكانها، وكان يقطن فيها 45 عائلة فلسطينية، ورحل منها ثلاثون عائلة.
آثار خطيرة
بدوره، يبين الدكتور عماد الاطرش رئيس جمعية الحياة البرية الفلسطينية، ان هناك عوامل مختلفة اثرت على كمية الامطار والحياة البرية والحيوانية فيها، حيث تفقد المنطقة كميات كبيرة من مياهها بفعل ممارسات الاحتلال الإسرائيلي، من تجفيف منابعها وسحبها المياه الجوفية، ويقوم ايضا على حرق المزروعات بفعل الاعمال العسكرية الجارية خاصة بارود الاسلحة، وتحويل مناطق طبيعية الى معسكرات للجيش الاسرائيلي.
وهو ما اثر بشكل مباشر على الحياة في تلك المناطق-كما يوضح الاطرش- فعلى سبيل المثال منطقة وادي المالح، التي تعتبر من اغنى المناطق بمياهها الجوفية وفيها عيون مياه تستخدم للعلاج الطبيعي وتعتبر منتجعا للاهالي، حيث كان يطلق عليها سابقا حمامات المالح، واليوم المنطقة جافة ورحل اهلها، كما ويعتقد ان المنطقة بعد احتلالها عام 1967 فقدت نسبة 95% من مياهها ولن تعود إلى سابق عهدها.
 |
| الجرف الذي خلفه فيضان البئر الارتوزاي الذي انشاه الاحتلال لسرقة المياه الجوفية في منطقة الفارسية |
ويتابع بالقول :كما ان التغير المناخي يلعب دورا في التغيرات البيئية، ومن المؤكد ان ذلك التغير على الصعيدين خاصة الاحتلال بسبب مصادرة للاراضي وتغير منابع المياه وتجفيفها، سيؤدي الى جفاف الاراضي، مما سيؤثر على الحياة البرية.
ومن خلال تجوال "نافذة الخير" بالمنطقة تبين ان عملية الازهار بدأت مبكرا دون موعدها السنوي، وذلك يؤدي الى تقليل نسبة النباتات البرية في فلسطين بسبب عدم اكتمال نمو البذور بشكل طبيعي في فترة العقد، التي تعتبر من اغنى بقاع العالم بالازهار البرية، مما يؤثر سلبا على التنوع البيئي.
ولا يتوقع رئيس جمعية الحياة البرية ان تعود الحياة كما كانت في منطقة الاغوار بسبب ما ينتج عن ممارسات الاحتلال والتغير المناخي، ويقول " هناك تراجع كبير، وكل عام يمضي يكون الوضع اسوء من سابقه، واتوقع عام 2020 ان الوضع المائي سيتدهور بشكل خانق وسيكون مميت وقاتل، وسيؤثر على الحياة البشرية ويهدد الثروة الحيوانية والنباتية في وجودها، ومؤشرات ذلك تظهر على تراجع نمو النباتات والحيوانات في المنطقة.
ترحيل
ياسين ضبابات، رحل عن ارضه بعد ان قامت قوات الاحتلال الاسرائيلي بمنع المياه عنه، يحاول ان يلملم نفسه مرة اخرى من اجل عائلته، وان يستجمع قواه ليزرع الارض عل هذه المرة لا تطاله انتهاكاتهم بعد ان ترك مكان سكنه.
 |
| ياسين ضبابات قال انه رحل عن المنطقة بعدما قام الاحتلال بقطع المياه عنها |
يقول، وقد بدت على وجهه تعابير الحزن والاسى واضحة، وهو يشير الى الاراضي الجرداء " كانت هذه الاراضي كلها مزروعة، كنت اقلعها واحصدها مع اولادي، واليوم اصبحت جرداء، حيث قام الاحتلال وبكل وقاحة بتحويل مياه نبع المياه عنا، ومد شبكة المياه امام بيوتنا وقاموا بسحب المياه باتجاه مستوطناتهم، وبكل وقاحة يقولون لنا لا يوجد مياه".
يشير ياسين الى قمة تلة زرع الاحتلال فوقها بئر ارتوازي يقوم بتجميع المياه الجوفيه وسحبها، قائلا "هذا الحاوز فاض العام الماضي واثار الفيضان ما زالت، حيث حفر عميقا التلة بعمق 30 مترا وبطول مئتي متر، ويدعون عدم توفر المياه، نمنع نحن من قطرة المياه وهم يصرفوها على مستوطناتهم وحدائقهم العامة ومزارعهم".
ويضيف ياسين " لم نستطيع العيش بسبب شح المياه، وانتقلت مع عائلتي الى سفح الجبل القريب من المنطقة، حتى بعد الرحيل لم نسلم منهم، فكل يوم تظهر عقبة جديدة امامنا، من مخالفات مالية باهظة بسبب الرعي في مناطق يطلقون عليها بالممنوعة، او سيطرة الى منابع المياه، وحرماننا من حرية الحركة والتنقل، وغيرها الكثير". |