 |
| عبد الله وادي |
تمد يدها لتطعمه فيزيحها جانباً.. تهمس بأذنه لـ"يقوى جسدك"..يرمقهما بنظراتٍ بـ"أن تكف".. يرفع بصره إلى أعلى السقف.. يضغط على جفونه بألم.. تفر من عينيه دموع وجعٍ ساخنة.. يعقبها بكاءٌ حارٌ ينسكب على جسده المكوم فوق السرير بلا حركة.. وقلبه يكتوي خوفاً من أيامٍ قادمة ومجهولٍ قاتم.
عرفات عبد الدايم "20 عاماً" أصيب خلال _الحرب الإسرائيلية الشرسة على قطاع غزة في كانون الأول/ ديسمبر الماضي_ بشظايا صاروخية في عموده الفقري أدت لحدوث شلل رباعي أردته طريح الفراش وعاجز عن الحركة.
بحروف العجز قال والده لـ"لنافذة الخير": " مدد بالفراش طوال اليوم.. لا يستطيع الحركة أو حتى تناول كوب الماء.. الوقوف على قدميه بات حلم مستحيل المنال", وبألم استدرك: " ورغم كل ما يعانيه لا نستطيع توفير طعام صحي له أو حتى بيئة مناسبة ليستطيع التعايش مع إعاقته الدائمة".
والدموع تنساب من عينيه أضاف: " أشعر أن ولدي مهمل وينقصه الكثير لتدب الحياة إلى روحه المتعبة وجسده الميت.. وحتى الاحتياجات الصحية كأدوات التنظيف والعلاج الطبيعي لا يحصل عليه إلا بشكل متقطع.. ففقر الحالة وقلة ما في اليد يقتلني كلما نظرت لعينيه الغائرتين ووجه الذابل".
دون مستقبل
 |
| عرفات عبد الدايم والعائلة |
وبحزنٍ غلف صوته مضى يقول: " حتى بيتنا قصفته طائرات الحقد الإسرائيلي، وبت أنا وصغاري العشرة نلتحف السماء ونفترش الأرض.. وما يقسم ظهري عرفات الذي لا يقوى على الحركة وإعانة نفسه".
وفيما كان الوالد يتحدث إلينا خرجت نبرات حزينة كان صاحبها "عرفات" قائلاً بأسى: " قذيفة مسمارية ألقتني طريح الفراش، وبدون مستقبل ولا أدري ماذا سيحصل لي خلال الأيام القادمة فمستقبلي أصبح مجهول وضبابي.. أحتاج من يعنيني في أبسط وأقل الأمور".
وبحروفٍ أثقلها التعب مضى يقول: " لم يدمرني الاحتلال وحدي، بل عاث فساداً في حياة أسرتي، وأثقل كاهلها بمتطلباتي الكثيرة وحالتي الصحية المتردية.. فوالدي عاطل عن العمل منذ سبع سنوات والمرض نهش جسده الضعيف".
وبحرقة أضاف: " لا نحصل على معوناتٍ من أي مؤسسة إنسانية أو جمعية خيرية سوى وزارة الشئون الاجتماعية التي تقدم لنا (250 دولار) كل ثلاثة شهور وبشكل متقطع".
سكت لبرهة ثم تابع: " لا أريد شيئاً من الحياة سوى أن أستطيع الاعتماد على نفسي في تسير أموري الحياتية, وأن أحرك يدي وقدمي على الأقل.. ولكن هذا الحلم تكلفته باهظة وأكبر مني فوالدي لا يملك أن يطعمني حتى يجري لي عمليه في الخارج.. فكل ما يلزمني سفر وعملية جراحية تنتشلني من قبري المظلم".
بتر وتشوهات
 |
| عرفات عبد الدايم |
ومن على سريره المتواضع طالب "عرفات" المؤسسات الإنسانية والجمعيات الخيرية بأن تنظر لحالته بعين الرأفة وتمد له يد العون والمساعدة بتوفير أبسط احتياجاته كمعاق مثل " كرسي كهربائي وسرير صحي وفراش هوائي" حتى لا يصاب جسمه المنهك بالتقرحات.
وكانت الحرب الإسرائيلية على غزة قد خلفت ورائها أكثر من 1400 شهيد و5450 جريحا نصفهم من النساء والأطفال، ومعظم إصابتهم إما بحروق الفسفور الأبيض أو بتر أطراف نتيجة قذائف المدفعية وشظايا القصف الإسرائيلي.
معاوية حسنين" مدير الإسعاف والطوارئ في وزارة الصحة قال لـ"نافذة الخير": إن أكثر من 12% من جرحى الحرب على غزة باتوا "معاقين"، وأضاف: "والنسبة قد تزداد.. فهناك إصابات معرضة في أي لحظة للانتقال إلى خانة "فقد بصره، سمعه، ساقه.. وهكذا".
وأضاف د. حسنين أن الحرب الشرسة والعنيفة خلفت آلاف الجرحى الذين سيعاني معظمهم من عاهات وإعاقات دائمة "إسرائيل استخدمت أسلحة غير تقليدية.. أسلحة محرمة دوليا مثل القنابل الفسفورية والحارقة.. أسلحة فتاكة وقوة مفرطة أدت إلى تشوهات وبتر وحروق وأشياء لا يمكن تصديقها".
ولم يكن "عرفات عبد الدايم" وحده من يعيش مأساة الإعاقة بكل تفاصيلها المؤلمة, فـ" عبد الله وادي" شابٌ أخر أرهقه الشلل الرباعي وحول حياته إلى فصول من ظلامٍ دامس لا ينتهي بعد تعرضه لرصاص قناص إسرائيلي في الرقبة وأعلى الظهر.
شلل كامل
 |
| عبد الله وادي على كرسيه المتحرك |
ورائحة المرض تفوح من بيته الذي أنهكته قذائف الاحتلال وصواريخه قال والده لـ "نافذة الخير": " ابني يعاني من شلل كامل في الأعصاب، ولا يقوى على الحركة أو الوقوف على قدميه ويحتاج للمساعدة في كل شيء".
معرباً عن أمله أن يتلقى أبنه الخدمات الطبية والعلاج الطبيعي اللازم ليستطع الوقوف على قدميه أو على الأقل تحريكهما لو بخطى بطيئة وغير متزنة.
وعلى مقربةً منه كان "عبد الله" يتكلم بحروف متلعثمة قائلاً: " أن عملية واحدة كفيلة بأن تتحسن حالته وليتمكن من الحركة.. وبعض العلاج الطبيعي سيسهم في تحسين حركته وتحريك أطرافه المتيبسة".
وأشار عبد الله إلى أن هناك بعض المؤسسات الإنسانية كـ "الإغاثة الطبية" تقوم من وقت لأخر بزيارته وتقدم له بعضاً من العلاج الطبيعي, منوهاً إلى أنه يحتاج إلي كرسي كهربائي يساعده على التحرك بسهولة.
ولا تتوقف معاناة أسرة "وادي" على إعاقة عبد الله بل أن كل أسرته أصيبت في الحرب الإسرائيلية سببت لهم عاهات دائمة، فوالدته فقدت عينها اليمنى, وأخته أصيبت بتشوهات في الوجه, وشقيقه الصغير تنتابه حالات من الخوف والهلع الشديد لأقل الأصوات المرتفعة.
وفي حديث لـ"نافذة الخير" أكد فارس أبو حجر أخصائي العلاج الطبيعي في مؤسسة الإغاثة الخيرية أن حالتي "وادي، وعبد الدايم" هما ضمن عشرات حالات جرحى الحرب التي تتابعها مؤسسته، وتقوم بسلسلة من برامج الزيارات المنزلية؛ لتقديم العلاج الطبيعي لهم.
 |
| محمد وادي والعائلة |
وتابع حديثه قائلاً: " إن إصابة عرفات عبد الدايم بالغة جداً، فهو يعاني من شلل تام في أطرافه الأربعة، يرافقه تيبس في هذه الأطراف", مشيراً إلى أنه يحتاج إلى متابعة دقيقة ومستمرة في خدمات العلاج الطبيعي، كما أنه بجاحة ماسة إلى سرير وفراش طبيي لمنع حدوث تقرحات جلدية، يلزمه بعض المستلزمات الطبية كالجبائر وأدوات المساعدة لتعينه على التكيف المعيشي.
وعن حالة " عبد الله وادي" قال: " إنه يعاني من شلل رباعي، ووضعه الطبي غير مستقر، فهو بحاجة لجلسات من العلاج الطبيعي، وتنشيط قدرته على السير، خصوصاً وأنه يستطيع الوقوف على قدميه ولكن دون اتزان".
وأكد أبو حجر أن هناك أمل كبير في تحسن حالته، في حال تم تكثيف العلاج الطبيعي له، لكنه بحاجة لمعينات طبية، مشيراً إلى أن سكنه في الطابق العلوي من منزله يفقده القدرة على تلقي هذه الخدمات في مراكز التأهيل، لذا هو بحاجة ماسة للخدمات المقدمة عبر الزيارات المنزلية.
600 حالة إعاقة
من جانبه, قال مصطفى عابد مشرف برنامج التأهيل المجتمعي في مؤسسة الإغاثة الطبية أن برنامج الزيارات المنزلية لجرحى الحرب يتم من خلالها تقديم خدمات العلاج الطبيعي والدعم النفسي ومتابعة دورية لهم.
وأوضح عابد أن الحرب خلفت ما يزيد عن 600 حالة إعاقة تنوعت ما بين شلل وبتر للأطراف، وإعاقات سمعية وبصرية، مؤكداً أن الإغاثة الطبية ما تزال تقدم لهم خدماتها المتنوعة التي تتلاءم مع وضع إصاباتهم وإعاقاتهم.
وأشار إلى أن أبلغ هذه الحالات تنتمي لأسر فقيرة، ومهمشة، وتعاني من لسعات الحرمان و الفقر، موضحاً أنها كانت تتلقى خدمات أخرى من مؤسسات دولية وخيرية في الشهور التي تلت انتهاء الحرب، لكن هذه الخدمات تشهد تقلصاً كبيراً في مستواها خلال الفترة الراهنة. |