 |
| جوليا |
بعد أسبوعين على كارثة تحطم الطائرة الاثيوبية في بحر بيروت، بدأت ألغاز المأساة بالانجلاء والانكشاف، حيث نجحت قوى الائتلاف البحري باشراف مغاوير البحر بانتشال احد الصندوقين الاسودين و7 جثث لركاب كانوا على متن الطائرة الاثيوبية.
هذا الانجاز يُعد تطوراً في غاية الاهمية، وخطوة كبيرة على طريق انقاذ الضحايا وانتشال كل ما من شأنه ان يساهم في الانتقال الى المرحلة الاصعب من فك رموز وألغاز الكارثة التي ادمت القلوب وثكلت النساء ويتـّمت الاطفال في ساعة لا تزال مخبأة بالخفايا والاسرار.
ومن بين الضحايا الطفلة "جوليا محمد الحاج"، والتي عادت من رحلة قسرية بعدما لفظتها امواج البحر الذي ابتلع الطائرة الملعونة ولعبة "جوجو" كما تناديها جدتها.
كانت تطير في الجو من بلد الى بلد، فأصبحت تطير في الجنة من شجرة الى شجرة. كانت تخطو خطواتها الاولى في المشي بطريقة متمايلة، تقع ثم تقف. ولكن هذه المرة دخلت "جوليا" إلى منزلها مرفوعة على الأكف، ليضعوها أمام ألعابها التي لم تهنأ بها. ومن ثمّ نقلوها إلى مثواها الأخير الذي فغر فاه بانتظارها.
رفيقة والديها
افترقت "جوليا" عن والدتها "رنا الحركة" قسراً. ماتت مع والديها خلال تحطم الطائرة الاثيوبية، لكنها سبقتهما إلى القبر لترقد هناك وحيدة، إذ لم يتمّ العثور على جثتي والديها بعد. قبر "جوليا" أكبر من جسدها الصغير، وتقول جدتها إن والدتها ستنضم إليها لأنها أصغر من أن تـُترك وحدها!
هكذا، خيّم الصمت على الحضور في المقبرة، صمت لم يكسره سوى التكبير والصلوات وزقزقة العصافير على شجر الصنوبر الذي ظلّل قبر الطفلة. "رحلتِ باكرا ً يا جوليا، يا حبيبة قلب خالتك" تهمس إحداهن. أخرى ترمي وجهها بين كفيّها لتمسح بهدوء دمعاً ظلت عيناها تذرفه منذ تحطم الطائرة.
أما الرجال، فوقفوا بعيداً، تأمّلوا كفن الطفلة المحمول بصمت. آخرون رموا بعض الورود في لحدها، عساهم يخبّئون بذلك ترابه الأحمر.
يقترب الجميع من الجسد المسجى أمامهم، يصلّون عليه، ثم يحملونه مجدداً بهدوء كأنهم لا يريدون إيقاظ "الأميرة النائمة". هناك، على ضريحها، ثمة اكاليل كتب على احدها اسم جوليا الجديد "عصفورة الجنة".
ستنام العصفورة الى الابد في ظلال اشجار السرو وعلى وقع زقزقة العصافير التي تؤنس وحشة من لا قدرة له على التذمّر من قضاء الله وقدره. لن تعود جوليا بعد اليوم الى سريرها الدافئ. لقد قال القدر كلمته وأسكنها في سرير جديد عليه سورة الفاتحة.
الصندوقين الاسودين
 |
| لحظات وداع جوليا |
وفي خطوة حملت دلالات كبيرة، اوفد الرئيس "سعد الحريري" طائرته الخاصة الى بيروت لنقل الصندوقين الاسودين الى باريس فور العثور على الصندوق الثاني والذي وحسب المعلومات المتداولة، اكثر اهمية لجهة المعلومات من الصندوق الذي بات في عهدة لجنة التحقيق الفنية الذي يرأسها مدير الطيران المدني في مطار بيروت الدولي "حمدي شوق"، بعدما غادر الخبيران الفرنسيان "بان بوكليكان" و"ايمانويل دوليار" بيروت الى باريس لمتابعة مسار التحقيق من هناك بعد اكتمال اجراءات نقل الصندوقين الاسودين العائدين للطائرة الى العاصمة الفرنسية·
ومن المرجح الا تتأخر عملية تسليم الجثث الجديدة الى ذويها بعدما نقلت ليل امس من القاعدة البحرية الى مستشفى رفيق الحريري الجامعي لمطابعة فحوصات الحمض النووي وتحديد لمن تعود هذه الجثث، في ضوء اكتمال الخارطة الجينية للمفقودين إذ ان العدد ارتفع الى 23 جثة من اصل 90 هم مجموع الركاب الذين كانوا على متن الطائرة بينهم 54 لبنانياً·
جثث في غياهب البحر
الارتباك الواقع بين الحداد والأمل بالعثور على الجثث يخيّم على أهالي الضحايا. كل واحد منهم له حكاية: الطفلة جوليا التي خافت من الطائرة ولم تكن تريد الذهاب، هذا هو إحساس الطفلة التي تمسّكت بيد خالها في المطار. لم تكن تريد الذهاب.. لعلها أدركت أنها لن تعود، وقد تركها ابواها تذهب وحيدة الى الأبد وبقيا في ظلام البحر تتنازعهما امواجه.
الكثير من الجثث لا تزال غارقة في غياهب البحر. جثث أبناء الوطن الذين كانوا يلتقطون أرزاقهم في أصقاع الدنيا. الأهالي لا يزالون بالانتظار.. يتمنون من البحر أن يلفظ اجسادهم. ولكن مهما قلنا، فإنّ هذا قدرهم الذي كتب عليهم منذ الولادة. |